Sandi Maulana Juhana

خواطر

1 item

August 7, 2023 at 11:27 PM

كلُّنا مُذنِبون، ولكنَّ عونَ الله لا يتأخَّر أبدًا

مهما عظمت ذنوبنا واشتدت ابتلاءاتنا، فقد وعد الله بالمغفرة والصبر والعون بقدر الحاجة. فلا تيأس ما دامت الحياة، فإن أبواب رحمته لا تزال مفتوحة.

Og Image

كلُّنا مُذنِبون، ولكنَّ عونَ الله لا يتأخَّر أبدًا

لا تظنَّ نفسك أطهرَ من غيرك.

فنحن جميعًا مذنبون، وإنما يختلف الناس في نوع الذنوب وقدرها. فمنها ما يظهر للناس، ومنها ما يخفى، ومنها ما يتكرر مرارًا رغم محاولاتنا للتوقف عنه.

فبعض الناس يُبتلى بالشهوات، وبعضهم بالغضب، وآخرون بالكبر أو الحسد أو التعلق بالدنيا أو بجراحٍ تُبعِدهم عن الله شيئًا فشيئًا.

وكثيرًا ما يكون أعظم الذنوب ليس ما يراه الناس، بل ما يستقر خفيًّا في القلوب.

غير أنَّ أفضل الناس عند الله ليس أقلَّهم ذنبًا، بل أصدقهم اعترافًا بخطئه، وأسرعهم رجوعًا إلى ربِّه، وأكثرهم تواضعًا بين يديه.

فالحياة ليست لمن لا يسقط أبدًا، وإنما لمن ينهض كلما سقط، ويعود إلى الله كلما ابتعد.

حين تصبح الحياة ثقيلة

أحيانًا نقسو على أنفسنا أكثر مما ينبغي.

فعندما تشتد الحياة، وتتأخر الإجابات، ويضيق الصدر، وتتوالى المشكلات، يبدأ الإنسان بالشعور أن الله ربما لم يعد يعتني به.

وقد يظن بعض الناس أن ما يمرون به سببه أنهم أصبحوا أبعد من أن يستحقوا العون.

لكن الحقيقة أن العبد في أشد لحظات ظلامه قد يكون أقرب ما يكون إلى باب رحمة الله.

قال الله تعالى:

قُلْ يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

سورة الزمر: 53

هذه الآية ليست مجرد مواساة، بل هي وعدٌ من الله.

فلا ذنب أعظم من رحمة الله، ولا ماضٍ أشد ظلمة من أن يغفره الله، ولا إنسان بلغ من الفساد حدًّا يستحيل معه الإصلاح.

وكثيرًا ما يكون ما يهلك الإنسان حقًّا ليس الذنب نفسه، بل اليأس الذي يأتي بعده.

فإذا انقطع الرجاء من القلب، بدأ الشيطان يتسلل إليه شيئًا فشيئًا.

في زماننا هذا، أصبحت الحياة ثقيلة على كثير من الناس.

فمنهم من أثقلته الهموم المالية، ومنهم من أتعبته مشكلات الأسرة، ومنهم من أنهكته الضغوط التي لا تنتهي، ومنهم من يبدو بخير أمام الناس بينما ينهار بصمت من الداخل.

هناك من فقد عمله، ومن فقد طريقه، ومن يحاول النجاة كل يوم وهو يخفي قلقه وألمه.

وفي مثل هذه الأوقات، جاء توجيه النبي ﷺ بما يطمئن قلوب المؤمنين.

العون الذي يأتي مع الابتلاء

إِنَّ الْمَعُونَةَ تَأْتِي مِنَ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ وَإِنَّ الصَّبْرَ يَنْزِلُ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ

رواه البزار والبيهقي، وصححه الألباني

وفي رواية أخرى:

إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ الْمَعُونَةَ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ وَيَنْزِلُ الصَّبْرَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ

رواه البيهقي

هذا الحديث يحمل معنى عظيمًا.

فإن الابتلاء وعون الله يسيران معًا. فما من محنة يرسلها الله إلا وقد هيأ معها من العون ما يكفي لعبده.

فكلما اشتد البلاء، ازداد العون.

وكلما عظمت المصيبة، عظُم الصبر الذي ينزله الله على قلب عبده.

وربما لم يأتِ الفرج بعد بالصورة التي ننتظرها، وربما لم تُحل المشكلات إلى اليوم، وربما ما زالت الحياة صعبة.

لكن قد يكون عون الله حاضرًا في أشياء لا ننتبه لها: أننا ما زلنا نستيقظ كل صباح، وما زلنا قادرين على الاستمرار، وما زلنا نتجاوز أيامًا ظننا يومًا أننا لن نستطيع احتمالها.

وكثيرًا ما ننسى أن الصبر الذي أبقانا ثابتين إلى هذه اللحظة… كان من الله.

حين يبدأ القلب بفقدان الأمل

لكن السؤال الحقيقي هو: هل نؤمن حقًّا بهذا الوعد؟

أم أننا أصبحنا نصدق مخاوفنا أكثر من تصديقنا لكلام الله؟

قال النبي ﷺ:

أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَإِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ وَإِنْ ظَنَّ بِي شَرًّا فَلَهُ

رواه أحمد وصححه الألباني

فالإيمان مرتبط بالرجاء.

كم من إنسان يريد عون الله، لكن قلبه ممتلئ بسوء الظن بالله. وكم من إنسان يريد أن تتغير حياته، لكنه أقنع نفسه منذ البداية أنه لن ينهض أبدًا.

لكن الله عند ظن عبده به.

وربما ما يهزم الإنسان حقًّا ليس البلاء نفسه، بل فقدان الأمل.

نحن منشغلون بطلب العون من كل شيء إلا الله

ومن أكثر الأمور إيلامًا أننا حين تُصيبنا المصائب، نركض إلى كل شيء قبل أن نعود إلى الله.

نبحث عن الحلول في كل اتجاه، ونطرق كل الأبواب، ونسأل كل الناس.

لكن الله يكون أحيانًا آخر من نلجأ إليه.

مع أن الله يقول:

وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ

سورة البقرة: 45

حين تضيق الحياة، كم منا يلجأ إلى الصلاة فورًا؟

وكم منا يبكي في دعائه حقًّا؟

وكم منا يزيد من قيامه وصلاته حين تنهار حياته؟

أحيانًا نريد من مشكلاتنا أن تنتهي سريعًا، بينما نحن أنفسنا لم نعد بعدُ إلى الله كما ينبغي.

فحياة المؤمن لم تكن يومًا خالية من الابتلاءات.

قال الله تعالى:

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُمۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ

سورة البقرة: 214

حتى الأنبياء والصالحون مروا بلحظات تعب وخوف وضعف.

لكن الله يذكرنا دائمًا: أن نصره قريب.

ليس وفق توقيتنا، بل وفق حكمته سبحانه.

الصبر الذي ينزل من السماء

الإنسان بطبعه عجول.

يريد الخروج من أزماته بسرعة، لكنه لا يصبر على الطريق.

يريد أن تتغير حياته، لكنه لا يريد أن يغير نفسه.

يريد الطمأنينة، وهو يبتعد عن الله شيئًا فشيئًا.

وفي كثير من الأحيان، قبل أن يغير الله واقعنا، يغير قلوبنا أولًا.

وقد يقول بعض الناس: "لم أعد قويًّا."

وهذا صحيح.

فنحن ضعفاء.

قال الله تعالى:

وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًا

سورة النساء: 28

فالضعف جزء من طبيعة الإنسان.

لكن الأمر لم يكن يومًا متعلقًا بقوتنا، بل بعون الله الذي يسندنا.

فالصبر ليس مجرد قوة نفسية داخلية، بل هو عطاء من الله.

وربما بقاؤنا ثابتين إلى اليوم ليس لأننا أقوياء، بل لأن الله ما زال يحفظ قلوبنا من الانكسار الكامل.

لا تفتح باب اليأس

فلا تسمح للشيطان أن يفتح باب اليأس في قلبك.

قال الله تعالى:

ٱلشَّيْطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا

سورة البقرة: 268

فالشيطان لا يتوقف عن بث الخوف في القلوب: الخوف من المستقبل، والفشل، والفقر، وأن الحياة لن تتحسن أبدًا.

بينما الله يعد بالمغفرة والفضل.

فلا تفتح باب اليأس. ولا تُعذب نفسك بلا نهاية. ولا تظن أن ذنوبك أكبر من رحمة الله.

تب إلى الله، وارجع إليه، وأحسن الظن به.

فما دمت حيًّا، فأبواب رحمته لا تزال مفتوحة.

وحين يتعب القلب، تذكر أن الطمأنينة الحقيقية لا تأتي من حياة مثالية.

قال الله تعالى:

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ

سورة الرعد: 28

وقال سبحانه:

مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً

سورة النحل: 97

قد لا تصبح الحياة سهلة دائمًا، لكن مع الله يبقى القلب حيًّا.

عون الله لا يتأخر أبدًا

وهناك حقيقة لا تتغير:

سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا

سورة الطلاق: 7

فالله لا يتأخر أبدًا.

لكننا أحيانًا نستسلم أسرع مما ينبغي.

مصدر إلهام هذه الكتابة

هذه الكتابة مستوحاة من درس للشيخ محمد نُزُل ذِكري حفظه الله حول الابتلاء والصبر وعون الله.

العون يأتي بقدر الابتلاء